
السباق الرئاسي في الولايات المتحدة ... بين السيئ والأسوء ...( 1) ...؛؛
علي الأسدي12/07/2012
قراءات: 693
النجاح في السباق الرئاسي في الانتخابات الأمريكية القادمة لا يعني أن يكون الفائز رئيسا ناجحا ، فللمال في هذا البلد القدرة الخارقة لصناعة اي شيئ بما فيه رؤساء الولايات المتحدة. فالسيد مت رومني المرشح الجمهوري في انتخابات الرئاسة يتقدم على الرئيس أوباما في استطلاعات الرأي بنسبة 2% أو أكثر بقليل في بعض الولايات الأمريكية ، والفضل في ذلك ليس لأدائه المتميز في عرضه لسياساته الاقتصادية التي ستخرج الولايات المتحدة من أزماتها الكثيرة الراهنة ، وانما للحملة الدعائية المكثفة المدعومة بمئات الملايين من دولارات أصحاب البلايين. فممولوا حملته الانتخابية في حقيقة الأمر هم رجال أعمال ناجحون ، ويعرفون جيدا مردود كل دولار ينفق لصالح انتخاب السيد رومني ، وهذا في نهاية المطاف لا يشكل الا رقما تافها مقارنة بمردود تشريع ضريبي واحد يمنحهم اعفاء ضريبا لا يقدر بثمن لمدة من الزمن قابلة للتمديد. وليس هذا فحسب ، ففوزه على أوباما سيلغي اوتوماتيكا مشروعه لزيادة الضرائب على من يزيد دخله السنوي عن 250000 الف دولار بنسب قد تصل الى 35% على دخول اصحاب البلايين. اصحاب البلايين ليسوا معجبين بشخص السيد رومني برغم علاقتهم الجيدة معه ، وانما لأنه رجلا مطيعا وملتزما بتعهداته وهذا هو الأهم في تقييمهم له. فكل ما عليه أن يفعله لا يحتاج الى أي كفاءة شخصية ، وانما فقط القيام بما قام به رؤساء سابقين هم رونالد ريغن وبوش الأب والابن ، فأولئك الثلاثة جمدوا زيادة الضرائب على الأثرياء وابقوها في أدنى مستوى لها حتى خروجهم من البيت الأبيض.وهذا كل شيئ ، فلا يحتاج منه أن يكون ذكيا مثابرا ، خطيبا بليغا أو حتى وسيما ، فهو الأنسب لهذا الموقع..؛؛
الرئيس الأمريكي الحالي ( الاشتراكي البولشفي في رأي معارضيه من المحافظين) لم يستطع زيادة الضرائب على الاثرياء لأن الاعفاء الضريبي الذي شرعه بوش الابن ما يزال ساريا ، ولأن حزبه الحزب الديمقراطي لا يملك أكثرية في مجلسي الكونغرس تمكنه من تشريع قانون يلغي ذلك الاعفاء. ولهذا السبب ، لم يكن بامكان أوباما تمويل برنامجه للنمو " العدالة الاقتصادية " الذي وعد ناخبيه بتنفيذه عندما انتخبوه في عام 2008." (1)
فقد خطط لتوفير 3،8 ترليون دولار لذلك البرنامج ، وكان سيخصص منه مبلغا قدره 800 بليون دولار لخلق فرص عمل جديدة من خلال الاستثمار في صيانة وبناء البنية التحتية بما فيها طرقا وجسورا وشبكات للسكك الحديدية ومدارس. ولم يتمكن أيضا من تحقيق زيادة في موارد الميزانية لعام 2012 المقدر لها أن تبلغ 1.330 تريليون دولار او ما يعادل 8،5% الناتج القومي الاجمالي ، مما اضطره لتخفيض توقعاته لعام 2013 الى 901 بليون دولار أي الى نسبة 5،5% الناتج القومي الاجمالي. ونفس الموقف حصل بخصوص تخفيض عجز الميزانية لعام 2009 حيث كان مخططا ان ينخفض العجز المالي الى النصف ، لكن الذي حصل أن عجز الميزانية زاد بدلا أن ينقص نظرا لاضطرار الحكومة لزيادة النفقات لا خفضها عبر التقشف للتخفيف من آثار الركود الاقتصادي الذي بلغ أوجه في تلك السنة. لم يتبقى للرئيس أوباما غير شهور قليلة في منصبه ، فما لم يستطع انجازه في ثلاثة سنوات ونصف لن يكون بمقدوره أن ينجزه في الستة شهور المتبقية من رئاسته. أما السر في ذلك فيكمن قي سياسات سلفه السابق الذي ترك صندوق المال فارغا ، وفاتورة بستة عشر ألف تريليون دولار مستحقة الدفع هي ثمن الحروب التي أشعلها أسلافه والتي تركوها مشتعلة قبل أن يغادروا المكتب البيضاوي ليتفرغوا الى متابعة رياضة لعبة التنس.
وما يحاوله أصحاب البلايين منذ شهورهو المجيئ برئيس جديد يجدد لهم الاعفاء الضريبي الى أجل غير مسمى. ولهذا يوسعون من دعوتهم لجمع المزيد من الأموال لتكثيف الدعاية لصالح فوز مرشحهم مت رومني باي ثمن. لقد تمكنوا من جمع 4,6مليون دولار في خلال 24 ساعة ، وقد زاد عدد المتبرعين لحملة رومني من 27،6 ألف متبرع في شهر مايو الماضي الى 47 الفا في شهر يونيو. فهل سيتمكنوا من تحقيق هدفهم ذاك ، فمرشحهم الذي يدفعون به الى موقع قيادة الولايات المتحدة يواجه مصاعب قد لا يستطيع تجاوزها عبر الاعلانات التلفزيونية الدعائية وفي وسائل الاعلام الاخرى.
احدى تلك المصاعب كشفت عنها صحيفة الديلي تلغراف اللندنية في عددها ليوم 6/7 الحالي بنشرها خبرا نقلته عن صحيفة وول ستريت جورنال الأمريكية جاء فيه : " ان المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية يضيع فرصة تاريخية للفوز على أوباما ، وعليه أن يتوقف عن ارتكاب الأخطاء بدون سبب ، والبدء بالتحدث عن كيفية اخراج الولايات المتحدة من أزمتها الراهنة ، لقد وعد رومني حزبه الجمهوري بأنه الرجل الأفضل الذي سيواجه أوباما وينتصر عليه ، لكن رومني أخجلهم ". ( 2)
والأمر الآخر الذي تحدثت عنه الصحافة وأضعف مصداقيته ، هو ما صرح به الرئيس أوباما في الأيام القليلة الماضية. ففي كلمة وجهها لحشد من المؤيدين في أوهايو قال : " ان رومني الذي يعد الأمريكيين بفرص عمل جديدة يقوم هو نفسه بتصديرها الى خارج أمريكا ، ولست أنا الذي يقول ذلك بل رومني نفسه." وفي كلمة لتيد ستريكلاند الحاكم السابق لولاية أوهايو وأحد مؤيدي أوباما أكد فيها قول رئيسه بقوله: " في الوقت الذي يخاطب أوباما العمال والصناعيين في أوهايو يقوم رومني بمخاطبة أنصاره خارج الولايات المتحدة في اشارة الى نشاطات شركة يملكها رومني تشجع أرباب الصناعات بنقل نشاطاتها الى الدول الأخرى حيث اجور العمل والضرائب منخفضة مثل الصين والهند وبنغلادشت واندونيسيا ودول أوربا الشرقية. كما اشارت الديلي تلغراف نقلا عن وكالة الأسوشيتد بريس ، ان المرشح الجمهوري رومني اودع سرا في عام 2011 ثلاثة ملايين دولار في حساب له في بنك سويسري تهربا من الضرائب ، وله باسم زوجته 8 ملايين دولارا مودعة في بنوك في نيوهمشاير ، وعدة ملايين اخرى مودعة باسم مدير أعماله بن كابيتال في واحات ضريبية.(3)
فمن أين جاء رومني بهذه الأموال؟
يرد الدكتور بول كروكمان الحائز على جائزة نوبل في الاقتصاد في مقال له في صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية على هذا السؤال قائلا : السيد رومني يفتخر بكونه ذي خبرة اقتصادية وهو قادر على اعادة بناء الاقتصاد الأمريكي ، لكن لا يمكن التعامل مع اقتصاد بلد بحجم الولايات المتحدة كتعامل رومني مع شركته بصرف النظر عن العولمة ، فالولايات المتحدة مازالت تبيع 86% من انتاجها الى نفسها ، وان أدوات الاقتصاد الكلي ( سعر الفائدة ، الضرائب ، النفقات العامة ) لا علاقة لها بنشاط خاص لشركة فردية. في كل الأحوال ليس السيد رومني برجل الأعمال الذي بنى مشروعا اقتصاديا ، فهو فقط يبيع ويشتري بمشاريع ينتهي به الحال الى استئجار بعض عمالها وتسريح الباقين أو خفض أجورهم. ليس بين تلك المشاريع التي يتاجر بها اية مكاسب للعمال الأمريكيين الباحثين عن عمل. وما يقوم به أحيانا من نشاطات تجارية يصب في خدمة بلدان اخرى. وينقل كروكمان عن تقرير نشرته الواشنطن بوست قبل أسبوعين جاء فيه : " أن مت رومني قد استثمر في شركات متخصصة في مساعدة شركات أمريكية اخرى بنقل نشاطاتها الى ما وراء البحار ، بما يعني نقل فرص العمل الى خارج البلاد." وقد حاول جاهدا اجبار الصحيفة على سحب تقريرها لكنه لم ينجح. هو يعتقد ان مبادئ اقتصاد السوق تجيز له أن يقوم بكل ما يمكن لتحقيق اقصى الأرباح ، حتى اذا كان هذا النشاط تصدير فرص العمل الى خارج البلاد. نشاط السيد رومني جيد له ولشركاه ، لكنه ليس جيدا لأمريكا.(4)
التعليقات (0)